يوميات الثورة المصرية (1)
الأربعاء 23 مارس 2011 , 05:01 مساء
كتب / محمود المنير :
منذ اندلعت أحداث الثورة المصرية العظيمة في 25 يناير الماضي وجلال المشهد وزخمه وتواكب أحداثه وتتابعها السريع جعلني مثل غيري من الملايين اكتفى بمتابعة أحداثها التاريخية عن كثب وبلهفة شديدة تصل إلى حد الهلع وتارة والإعجاب تارة والابتهال تارة أخرى وما بين الخوف عليها كمن يخاف على طفله الوليد ويغالب الخلود إلى النوم والراحة ويطيب له السهاد يتابعه بعناية فائقة ويدعو له أن يترعرع ويحفظه الله من كل مكروه وسوء، وبين الوقوف على كل التطورات والمستجدات والتحليلات والتصريحات من جميع الأطراف الفاعلة في المشهد العام محلياً وإقليميا ودوليا ًوتدوينها واليوم أراني بحاجة إلى أن أرتب بعض ما دونته من ملاحظات ويوميات وأعرض عليكم طرفا من دروسها وعبرها وما نتطلع إليه منها والمخاوف التي تحيط بها وآمالها ومالأتها، وعوامل نجاحها وجملة من الخواطر والخلجات حول هذه الثورة العظيمة التي سيظل التاريخ ينهل من دروسها وأحداثها المجيدة.
أولاً: هذه الثورة التي أذهلت العالم مابين عشية وضحاها والتي فجرها ثلة من شباب مصر وشارك فيها الشعب المصري بكل أطيافه وفئاته ومكوناته إنما جاءت حصيلة تراكمات ثلاثين عاما عاماً من عسكرة الدولة المصرية بكل مؤسساتها حتى بات التعامل الأمني هو الغالب والفاعل في كل شؤونها والمسيطر على عقلية من يقود نظامها بدءاً من تعيين عامل النظافة في المسجد إلى الحصول على الدرجات العلمية الرفيعة إلى تعيين العميد في الجامعة !!
ثانياً: هذه الثورة التي زلزلت أركان النظام الفاسد في مصر كانت مستحقة بكل المعايير لأنها جاءت معبرة عن أحلام الملايين ليس من أبناء مصر وحدها بل في سائر الأمة العربية والإسلامية بأسرها للتخلص من نظام أجهز على حيوية الأمة وقبلها النابض ممثلا في مصر مما كان له الأثر البالغ في تسيد عدوها ونهب ثرواتها والقضاء على أي فرصة في لم شملها وتوحد أقطارها وتحرير مقدساتها فدمر العراق ، وقسم السودان ، وأُشعلت الفتن في لبنان ،وهودت القدس ، ودبت الفرقة بين المجتمع الفلسطيني لصالح العدو الصهيوني وحركت الفتن الطائفية في الكثير من البلدان العربية ومنها مصر برعاية هذا النظام الفاسد ، لذا كانت مستحقة وواجبة بامتياز.
رابعاً: الشعب المصري ظل يعانى أشد المعاناة من مسلسل للنهب المنظم لثرواته ومخطط شيطاني لإفقار أهله والتسلط عليه بما يجعله يدور في حلقة مفرغة من الجهل والمرض والفقر ليغيب تماما عن المشهد الإقليمي والدولي، فيتمكن أعداء الأمة من تنفيذ مخططاتهم دون خوف ولا وجل وهذه المعاناة التي عاشها الشعب المصري لم تكن في عهد حسنى مبارك فقط وإنما منذ ثورة يوليو 1952موالتى تسلط فيها العسكر على الشعب المصري ومرورا بالسادات مع اختلاف التوجهات والأهداف ليظل الشعب رهين الديكتاتورية التي بلغت أوجها في عهد مبارك لذا كنا بحاجة لثورة جديدة ولكن مدنية سلمية وليست انقلابا عسكريا تعيد الحرية والعدالة والديمقراطية لمصر ومن بعدها الأمة العربية.
خامساً: بغض النظر عما تؤول إليه ثورة مصر العظيمة ،فانه يمكن القول من الآن أنها قد نجحت و أنجزت أهدافها جميعا ، و بلغت مرحلة الاستعصاء، سواء رحل مبارك الآن أو بعد حين، لأنها تمكنت من الإطاحة بالنظام العميل المستبد على ارض الواقع ومن ميدان التحرير، و العبور بمصر إلى القرن الواحد و العشرين ، لتستقبل الغد المشرق الواعد ،حيث الهوية والديمقراطية والتنمية و العدالة الاجتماعية.
و من عوامل نجاح هذه الثورة :
وضوح الرؤية والأهداف :
يتضح ذلك من خلال التمسك المستمر بأهدافها المعلنة من أول يوم والسقف المرتفع للمطالب التي عبرت بأمانة عن طموح كل الشعب المصري المتطلع إلى تغيرات شاملة و جذرية و فورية، تعبر عن قطيعة نهائية مع النظام الفاسد والبائد ،و تحدث تغيرات جوهرية في السياسة و الاقتصاد كما في الاجتماع و الثقافة ، رافضة كل الحلول الوسط و الإصلاحات الجزئية أو الصورية ، رافضة كل محاولات الالتفاف عليها أو قمعها أو تشويه صورتها و يمكن إجمال الأهداف المعلنة للثورة في : إسقاط النظام من خلال رحيل الرئيس ، تعديل الدستور و تشكيل حكومة انتقالية وحل مجلسي الشعب والشورى، و إنشاء مجلس تأسيسي ، يفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية و نيابية تؤسس لمرحلة جديدة تماما.
التشبع بالدوافع للثورة:
نعم فلقد فاض الكيل كما يقولون ، وحملت مصر جنين الثورة الذي كان ينمو في أحشائها منذ أعوام ، يتغذى من الشعور بالظلم و الفقر واليأس و الحرمان ، في غفلة من النظام الذي اعتقد أن مصر قد عقمت، وبلغت سن اليأس و يستحيل أن تنجب من جديد، فتمادى في الظلم و الاستهتار بالسلطة و الثروة ، وهم الرئيس بتوريث الحكم إلى نجله، و كأن البلاد والعباد ملك خاص له ،كما أمعن في الفساد والاستبداد الذي بلغ الذروة في الآونة الأخيرة ، حين عدل الدستور على نحو يقصي كل المنافسين و يضمن له الاستمرار في الحكم أو التوريث ، وزور الانتخابات النيابية بشكل سافر مكنه من السيطرة الكلية على البرلمان . إضافة إلى تخليه عن دور مصر الريادي في مناصرة فلسطين و قضايا الأمة و ارتمائها في أحضان أمريكا و إسرائيل ، ،فأصبحت مصر من جراء كل ذلك كاليابسة يوشك أن تشتعل ،وظل الجنين ينمو إلى أن اكتمل وبلغ شهره التاسع، و حان وقت خروجه إلى النور ،ولم تفلح كل المحاولات في إجهاضه أو وأده.
الشباب وقود الثورة :
نعم فلقد تشكلت الثورة من شباب متعلم و مثقف ،حالم وناقم ،مطلع على ما يجري في العالم و متمكن من عقد مقارنات بين وضعه البائس وأفق مستقبله المسدود ،وبين أوضاع الشباب في الدول المتقدمة حيث الحرية و الديمقراطية و العدالة و التنمية والأفاق المستقبلية الرحبة ،كما أنه شباب مستقل لا ينتسب لأي تنظيم أو جماعة،و لعل هذه هي نقطة قوته الأبرز التي جعلت ثورته تتمتع بهذه الجاذبية و تستعصي على الإجهاض ،لأن الأنظمة و أجهزتها الأمنية متمرسة على التعامل مع التنظيمات المختلفة و تمتلك من الخبرة والإمكانات و الأساليب ما يمكنها من التصدي لأي تنظيم و إجهاض أي تحرك له، لأنها تعرفه جيدا ،و تستطيع رصد كل تحركاته بل واختراقه من الداخل و احتوائه أو قمعه إذا اقتضت الضرورة ، كما أن الأحزاب الأخرى لا تنظم إلى حزب بادر بالثورة وسبق إلى الميدان بسبب التنافس و الحسد و الخلافات القديمة ،و نفس الكلام ينسحب على عموم المجتمع الذي فقد الأمل و الثقة في الأحزاب القديمة، و لكن يتوق إلى الانضمام إلى هذا الشباب البكر المستقل الواعد، فكان دور الشباب بمثابة الفتيل الذي فجر كل الطاقات الكامنة و الراكدة في المجتمع ، الناقمة من الأوضاع القائمة و المتطلعة للتغيير، فتحولت إلى هدير جارف يحطم كل من يقف في وجه ثورتها .
وسائل الثورة المبتكرة والمتنوعة :
حيث يعود الفضل الكبير في نجاح هذه الثورة المصرية العظيمة إلى وسائل الاتصال الحديثة، كالفضائيات ، والانترنت الذي بلغ عدد مستخدميه في مصر إلى أكثر من 25 مليون ، حيث شكلت مواقع التفاعل الاجتماعي "الفيس بوك" و "تويتر" و "اليوتوب" وسائل الثورة، وتعاظم حركتها رغم الحجب إضافة إلى توفر الهاتف المحمول لدى 70 مليون مصري، و ما يتيحه من تكنولوجيات وخدمات "كالتصوير و الرسائل النصية" التي لعبت دورا حاسما في التواصل بين الشباب وتمكينه من نقل الأخبار و الصور وبث الوعي و التجنيد و التعبئة والتنظيم ، و التغلب على التعتيم و التضليل الذي تمارسه وسائل الإعلام التابعة للدولة ،و تلك التي تدور في فلكها .. وللحديث بقية ...
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعليقات .. انتظر


