الأصل في النظم الديمقراطية، وبالأساس البرلمانية منها، أنّ الانتخابات النيابية تهدف إلى تحديد مَنْ يمثّل الشعب في البرلمان من بين مرشحي الأحزاب والجماعات السياسية المتنافسة التي تتقدّم إلى جمهور الناخبين ببرامجها الانتخابية وقوائم مرشحيها، بحيث يتولى الحزب الفائز بثقة غالبية أصوات الناخبين والحاصل على أكبر عدد من مقاعد البرلمان تشكيل الحكومة لتنفيذ برنامجه المعلن... وبذلك فإنّ الانتخابات هي بالأساس عملية سياسية.
ولكن الأمر في الكويت مختلف تماما، فنظامنا الدستوري القاصر في ظل “دستور الحدّ الأدنى” يفتقد إلى وجود الأحزاب السياسية المشهرة وفقا للقانون، ولا يقوم على مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة التنفيذية، ولا يشترط أن تنال الحكومة ثقة مجلس الأمة، ناهيك عن أنّ الوزراء من غير النواب المنتخبين هم أعضاء في مجلس الأمة بحكم وظائفهم، على خلاف ما يفترض أن يكون عليه الطابع التمثيلي النيابي الكامل للبرلمانات الديمقراطية، ولذلك فإنّ المرشحين يخوضون الانتخابات فرادى من دون برامج سياسية أو قوائم انتخابية؛ ويصوّت الناخبون لكل مرشح فرد على حدة... ولهذا فليس مستغربا أن تفتقد الانتخابات النيابية في الكويت طابعها السياسي المفترض وأن يغلب عليها الطابع الشخصي، بدءا من قرار الترشيح الفردي، مرورا بطبيعة العلاقة الشخصية القائمة بين المرشح والناخب، وصولا إلى التمثيل الفردي لأعضاء المجلس “الذين حالفهم الحظّ بالنجاح” وفق التعبير الشائع، وانتهاء بالعلاقات القائمة بين النواب أنفسهم... إذ ليس هناك ما يربط أي نائب بأي من زملائه غير التنسيق الثنائي أو التنسيق غير الملزم في إطار كتلة نيابية متوافقة تتشكّل بعد انتهاء الانتخابات؛ وذلك من دون أن يكون هناك برنامج سياسي يوّحد الكتلة، وإنما هناك مواقف متفرقة يمكن التوافق عليها، فيما هناك قضايا هامة قد تكون عرضة للخلاف في المواقف والتفاوت في التصويت بين نواب الكتلة النيابية الواحدة أنفسهم، مثلما حدث بين نواب “كتلة العمل الشعبي” في قضايا أساسية مثل الحقوق السياسية للمرأة والخصخصة، ومثلما حدث بين نواب “كتلة العمل الوطني” تجاه بعض الاستجوابات، ويضاف إلى ذلك أنّ الغالبية الساحقة من النواب “مستقلون” بمعنى عدم اشتراكهم في أي كتلة!
وفي ظل وضع مختل كهذا فمن الطبيعي أن تختلط معايير التصويت للمرشحين وأن يعتمد تصويت الناخب الفرد لصالح المرشح الفرد على علاقة شخصية أو عائلية، وذلك وفقا لاعتبارات قبلية أو طائفية أو فئوية، وبناء على ما يؤديه هذا المرشح أو ذاك من “مراسم المواجب الاجتماعية” المتمثّلة في التردد المنتظم على الديوانيات؛ ومواصلة جولات التعازي والتهاني في المآتم والأعراس، وما يمكن أن ينجزه المرشح من “معاملات” وما يقدّمه من “خدمات” نفعية لصالح زبائنه من الناخبين أو أقربائهم ومَنْ يعزّ عليهم، وإلى جانب هذه الاعتبارات المختلة أو يسبقها أو يليها يأتي معيار المواصفات الشخصية والقدرات والكفاءة للمرشح، ويتركز في الغالب على الكفاءة الخطابية، ثم يُحسب، أو ربما يُحسب معها ما يعلنه المرشح من آراء من دون التزام بالتنفيذ، وما سبق أن اتخذه من مواقف، خصوصا إذا كان المرشح نائبا سابقا... وهذا ما يوضح أنّ المعيار السياسي ليس هو المعيار الأول، وبالتأكيد ليس هو المعيار الأوحد للتصويت لهذا المرشح أو ذاك!
وعلى ضوء اختلاط هذه المعايير واختلالها وعدم موضوعيتها وابتعادها عن المعيار السياسي، الذي يفترض أن يقوم عليه التصويت الانتخابي الديمقراطي، فمن الطبيعي أن تأتي مخرجات العملية الانتخابية في الكويت على النحو المختلط والملتبس الذي نراه، ناهيك عن تكرار إعادة إنتاجها مع تغيير في الأسماء... وستستمر الحال على هذا المنوال وربما تنحدر وتتردى إلى ما هو أسوأ، مثلما أظهرت، مع الأسف، استطلاعات الرأي في بعض الدوائر، وهكذا ستكون مستقبلا ما لم يتطوّر النظام الدستوري نحو اكتمال أسس النظام البرلماني؛ وما لم تُنظّم الحياة السياسية عبر إشهار الأحزاب؛ وما لم تتغيّر قواعد العملية الانتخابية وفق نظام الدائرة الواحدة والتمثيل النسبي وقوائم الترشيح... وغير ذلك ما هو إلا استمرار في العبث وانسداد للأفق!
عالم اليوم


